السيد علي الطباطبائي
302
رياض المسائل ( ط . ق )
الغاصب العالم وإن لم تتلف العين في يده هذا إذا لم يكن يد من تلفت في يده يد ضمان كالعارية وإلا لم يرجع على غيره ولو كانت أيدي الجميع عارية تخير المالك في الرجوع عليهم أو بعضهم واستقر الضمان على من تلفت في يده فيرجع غيره عليه دونه وكذا يستقر المنفعة على من استوفاه والحر لا يضمن بالبناء للمفعول بالغصب عينا ولا منفعة مطلقا ولو كان صغيرا للأصل وعدم صدق الغصب عليه عرفا لأن متعلقه فيه ما كان مالا كما مضى وهو ليس بمال مطلقا لكن لو أصابه تلف بسبب الغاصب من نحو الجناية على نفسه أو طرفه مباشرة أو تسبيبا ضمنه إجماعا كما يأتي في محله في كتاب الجنايات ثم إن عدم الضمان في غير هذه الصورة إجماعي في الكبير مطلقا والصغير إذا كان تلفه بالموت الطبيعي من قبل اللَّه كما في الروضة والتنقيح ولو كان لا من قبل اللَّه تعالى ولا بسببه أي الغاصب كالموت بافتراس السبع ولدغ الحية ونحو ذلك فقولان للمبسوط ينشئان مما مر ومن أنه سبب الإتلاف وأن الصغير لا يستطيع دفع المهلكات عن نفسه وعروضها أكثري فمن ثم رجح السبب وقوى هذا في المختلف والخلاف والدروس ويعضدهم الخبر من استعار حرا صغيرا فعيب ضمن بناء على أن الاستعارة أهون من الغصب لكنه بعد الإغماض عن سنده شاذ لا قائل بإطلاقه ومع ذلك هو كفتوى هؤلاء الجماعة بالضمان في المسألة موافق لرأي أبي حنيفة كما عن الخلاف وفي التذكرة ومع ذلك تعليلهم المشار إليه غير صالح للحجية وتخصيص أصالة البراءة القطعية فالمسألة إما الأظهر فيها عدم الضمان كما هو الأشهر بين الطائفة على ما صرح به في المسالك والكفاية أو محل تردد كما هو ظاهر المتن والإرشاد لكن ربما يستوحش منه ويعضد القول بالضمان ملاحظة أن فتح باب عدم الضمان في مثله يفضي إلى الحيل لقتل الناس بأن يخليه ويدعه في مسبعة ومضيعة وأن الضمان يناسب عدوانه ويقابل بفعله الشنيع وهو مع ما فيه من أنه محض استبعاد جار في الكبير ولذا قيل إن الظاهر عدم الفرق بين الكبير والمجنون والطفل الغير المميز القادر على الدفع عن نفسه وهو مثل الحيوان بل الظاهر عدم الفرق بينهم وبين الكبير إذا حبس بحيث لا يقدر على الخلاص منه ثم حصل في الحبس شيء أهلكه مثل لذع الحية أو غيره لاشتراك العلة المتقدمة فإن أكبره مع قدرته على دفع الحية والعقرب إذا لم يره في الحبس لظلمته كالطفل بل وكالحيوان التي لا شعور لها انتهى ولكن الأكثر خصوه بالصغير فلا يمكن أن يستدل لهم بهذا التعليل ولو حبس صانعا حرا زمانا له أجرة عادة لم يضمن أجرته إذا لم يستعمله قالوا لأن منافع الحر لا تدخل تحت اليد تبعا له سواء كان قد استأجره لعمل قد اعتقله ولم يستعمله أم لا نعم لو كان قد استأجره مدة معينة فمضت زمن اعتقاله وهو باذل نفسه للعمل استقرت الأجرة لذلك لا للغصب بخلاف الرقيق لأنه مال محض ومنافعه كذلك وظاهرهم القطع بعدم الضمان في صورته وبه صرح في الكفاية فإن تم إجماعا وإلا ففيه مناقشة حيث يكون الحابس سببا مفوتا لمنافع المحبوس لقوة الضمان فيه لا للغصب بل لإيجابه الضرر عليه المنفي وعليه نبه الفاضل المقدس الأردبيلي في الشرح قال بعد تقوية الضمان لدفع المفاسد ولدفع ضرر عظيم فإنه قد يموت هو وعياله من الجوع ولا يكون في ذلك مال مع كونه ظالما وعاديا ووجود ما يدل على جواز التعدي بما اعتدى وجزاء السيئة سيئة والقصاص ونحو ذلك فتأمل انتهى وتبعه خالي العلامة دام ظله في حواشيه عليه قال بعد تقوية ما ذكره الشارح وبالجملة إن ثبت إجماع أي على ما ذكره الأصحاب وإلا فالأمر كما ذكره أي الشارح أقول ويحتمل قويا اختصاص ما ذكره الأصحاب بصورة عدم استلزام الحبس التفويت كما فرضناه بل الفوات خاصة وربما يستفاد ذلك من التذكرة حيث إنه مع تصريحه بما ذكره الأصحاب قال في عنوان البحث منفعة بدن الحر يضمن بالتفويت لا بالفوات انتهى فتأمل ويظهر الفرق بين المقامين فيما لو حبسه مدة لها أجرة في العادة فإن كان لو لم يحبس لحصلها كان حبسه سببا لتفويتها فيضمن هنا كما ذكراه وإن كان لو لم يحبس لم يحصلها أيضا لم يكن حبسه سببا لتفويتها وهذا مراد الأصحاب في حكمهم بنفي الضمان فيه كما احتملناه من كلامهم ولا شبهة فيه كما لا شبهة في أنه لو انتفع به باستخدامه ضمن أجرة الانتفاع مع أنه لا خلاف فيه ولا يضمن الخمر لو غصبت من مسلم أو كافر متظاهر وإن كان قد اتخذها للتخليل إذ لا قيمة لها في شرع الإسلام لكن هنا يأثم الغاصب ويجب عليه ردها مع بقاء عينها ولو تخللت ردها خلا لأنها مملوكة على هذا الوجه فلا يزول ملكها بانتقالها إلى الصفة المحللة بل يتأكد وإن تلفت عينها عند الغاصب فإن كان بعد التخليل لزمه الخل وإن كان قبله أثم وسقط عنه الضمان في المشهور كما في المختلف والمسالك وغيرهما لأن حق الإمساك لا يوجب الضمان خلافا للإسكافي فحكم له بقيمتها خلا لأن له حق اليد فكان عليه الضمان بإتلاف حقه ولا يصح الضمان بالمثل فيضمن بالقيمة ويجب الخل لأنه أقرب إلى العين ويضعف بأن فيه تدافعا لأن جعلها حينئذ قيمته يقتضي إيجاب القيمة كيف كان فلا وجه للانتقال إلى الخل وإن كان أقرب ولا فرق في إطلاق العبارة وغيرها من عبائر الجماعة بل صريح بعضها بين كون الغاصب مسلما أو كافرا وبالإجماع على عدم الضمان مطلقا في الأول صرح الفاضل في التذكرة وظاهرها عدم الخلاف فيه كذلك في الثاني وبه أيضا يضعف مختار الإسكافي ويضمنها الغاصب مطلقا مسلما كان أو كافرا لو غصبها من ذمي مستتر بلا خلاف بيننا بل عليه في ظاهر المبسوط والتذكرة إجماعنا لأنها مال بالإضافة إليه وقد أقر عليه ولم يجز مزاحمته فيه ثم إن كان الغاصب مسلما لزمه قيمتها عند مستحليه قولا واحدا كما في المسالك وفي ظاهر التذكرة أن عليه إجماعنا لتعذر إلزامه بالمثل شرعا وإن كان بحسب القاعدة مثليا وأن الغاصب كافرا ففي إلزامه بالمثل أو القيمة وجهان من أنه مال مملوك لهم وهو مثلي فيضمن بمثله إذ لا مانع منه هنا ومن أنه يمتنع في شرع الإسلام الحكم بثبوت الخمر في ذمة أحد وإن كان لا نعترضهم إذا لم يتظاهروا بها فامتنع الحكم بالمثل لذلك فوجب الانتقال إلى القيمة كما لو تعذر المثل في المثلي ولعل هذا أقوى وفاقا لأكثر أصحابنا بل عليه في ظاهر التذكرة إجماعنا خلافا للقاضي في أحد قوليه فاختار الأول ونقله في التذكرة عن أبي حنيفة وكذا الحكم في الخنزير إلا أن ضمان قيمته حيث يجب واضح لأنه قيمي حيث يملك واعلم أنه كما يوجب الغصب الضمان كذلك الإتلاف يوجبه أيضا بلا خلاف